أول مرة رآها كانت في المدرسة، في حفلة أعدّتها المدرسة لأطفالهم. كانت في قمة أناقتها، ليس في ذلك شك، لكن ما لفت نظره يومها لم يكن أناقتها وحدها، بل ذلك الغرور الذي خُيّل إليه أنه يسبق خطواتها. كانت أنيقة ومغرورة للغاية، أو هكذا ظنّها في تلك اللحظة العابرة. ثم مرت الأيام، وجاءت الصدمة حين عرف أنها جارته. ارتبك وهو يسأل نفسه: أهي المرأة نفسها؟ كيف تغيّرت الصورة فجأة؟ لماذا ازداد حضورها بهذا الشكل؟ ومن أين أتى كل هذا الجمال الذي لم يره من قبل؟ لم تعد في عينيه تلك المرأة المغرورة التي لمحها مرة في زحام المدرسة، بل صارت شخصية وازنة، واثقة، أنيقة بلا تكلف، لافتة بلا ضجيج، أنثى بكل معنى الكلمة، محتشمة وثابتة وحاضرة بطريقة لا تُفسَّر.

مرت شهور، ثم رآها أمامه في مركز التسوق، بجانبه مباشرة، قريبة إلى الحد الذي جعله يشعر أن المسافة بينهما لم تعد تُقاس بالأمتار، بل بالارتباك. كان يحترق من شدة اللهفة، أمام شعور تعجز عنه اللغة، شعور لم تولد بعد كلمات قادرة على وصفه. ما الذي يحدث؟ كان يعرف نفسه، ويعرف حياته، ويعرف حدوده، ويعرف أن ما يشعر به لا يشبه أي شيء مرّ به من قبل. لم يكن يبحث عن حكاية، ولا عن خيانة، ولا عن حلم ناقص، لكنه كان أمام إحساس لا يملك له اسمًا؛ إحساس جاء من مكان أعمق من الرغبة، وأخطر من الإعجاب، وأهدأ من الحب. كان يحاول أن يفسر ما يجري داخله فلا يجد تفسيرًا، ويحاول أن يعيده إلى منطق الأشياء فلا ينجح، كأن شيئًا صامتًا في روحه تحرّك فجأة دون إذن منه.

مرت الأيام، ثم أدرك سيارتها في موقف البناية، ومن هناك بدأ الجنون. في كل مرة كان يمر من جانب سيارتها، كان يتوقف. لا يفعل شيئًا يراه الناس، لا يلمسها، لا يقترب منها، فقط يقف، وكأن السيارة لم تعد سيارة، بل أثرًا من آثارها، مكانًا صغيرًا بقي فيه شيء من حضورها. كان يتحدث معها بصمت، يشتكي حاله، يسألها عما فعلته به دون أن تدري، ويريد تفسيرًا لما لا تفسير له. لم يكن حبًا، أو ربما كان يخشى أن يسميه حبًا، لكنه كان شيئًا أقوى بكثير؛ شيئًا يربطه بها وبكل مكان يمكن أن تكون قد مرّت به. كأن حضورها لا ينتهي عند جسدها، بل يمتد إلى الممرات، والمواقف، والزوايا، والأشياء التي لا معنى لها في حياة الآخرين.

ست سنوات مضت وهو على حاله. ست سنوات يبحث عن إجابة واحدة: ما هذا الشعور؟ كيف يمكن لإنسان عاقل أن يقف عند هذا الحد ولا يعبره؟ كيف يمكنه أن يبقى عالقًا في مكان لا باب فيه ولا نافذة؟ لا يستطيع أن يخطو خطوة إلى الأمام، ولا يعرف كيف يعود إلى ما كان عليه. كان عالقًا، فقرر أن يكتب. لكن كيف يكتب شيئًا لا يفهمه؟ كيف يوصل شعورًا لم يستطع هو نفسه أن يفسره؟ ولماذا يوصله أصلًا؟ بأي حق يقتحم روتين حياتها؟ بأي حق يربك أيامها وهدوءها وثباتها ومسؤولياتها؟ كان يخاف أن يبدو مزعجًا، مخيفًا، ثقيلًا. كان يخاف أن تكون كلماته عبئًا على امرأة لم تفعل شيئًا سوى أنها كانت كما هي.

لا يريد منها شيئًا، أو هكذا ظل يقول لنفسه. لا يريد قربًا يربكها، ولا وعدًا، ولا اعترافًا، ولا مكانًا في حياتها تنتزعه له الظروف من غير حق. ثم ربما أدرك، بعد كل تلك السنوات، أنه لا يريد سوى شيء واحد: أن تكون صديقة. صديقة فقط. في أول مرة منذ أربعين سنة، شعر أن هناك إنسانًا يحمل شيئًا ناقصًا من روحه؛ لا يكمله بمعنى ساذج، ولا ينقذه بمعنى درامي، لكنه يوقظ فيه جزءًا كان نائمًا منذ زمن طويل. ومع ذلك، كيف يقول لها هذا؟ كيف يخبرها أنها صارت سؤالًا في أيامه دون أن يطلب منها جوابًا؟ كيف يقترب من حياتها دون أن يزعجها؟ هي مسؤولة، واثقة، ثابتة، مستمرة بما وُكّل إليها من تربية وحياة وواجب. وهو كذلك. يقف كل منهما في مكانه، لا يعبر ولا ينسحب.

وفي نهاية الأمر، كان عليه أن يعترف بالحقيقة كما هي، لا كما صاغها خياله طوال السنوات. هي لا تعرفه. كان على ثقة من ذلك، مهما حاول أن يمنح المصادفات معنى، ومهما حاول أن يفسر الوجوه العابرة على أنها ملامح معرفة. ربما تعرف شكله كجار، كوجه عابر في البناية، كأب من آباء المدرسة، كظل يتكرر أحيانًا في المسافة نفسها، في الممر نفسه، في المصعد نفسه، في الموقف نفسه. لكنها لا تعرفه حقًا. لم تلحظه كما ظن، ولم تنتبه إلى الزلزال الذي يحدث في داخله كلما مرّت. لم تعرف أن سيارتها صارت مكانًا يقف عنده قلبه قبل قدميه، ولم تعرف أن وجودها، حتى وهي غائبة، صار يربكه كما لا يفعل الحضور.

كل ما دار بينهما، بعد كل هذه السنوات، لم يكن أكثر من كلمة واحدة قالها لها مرة بصوت مرتبك: صباح الخير. ولم ترد. ربما لم تسمعه، ربما لم تشأ أن ترد، وربما لم تكن تعرفه أصلًا. هو حتى لا يعرف إن كانت تتحدث العربية. لا يعرف صوتها، ولا يعرف لغتها، ولا يعرف شيئًا عنها سوى ما صنعه الغياب في رأسه، وما تركه الحضور في صدره. وهنا كانت قسوة الحكاية؛ أنه لم يكن متعلقًا بامرأة يعرفها، بل بمعنى لا يعرفه. لم يكن متعلقًا بحديث دار بينهما، ولا بذكرى مشتركة، ولا بلحظة فتحت بابًا بين روحين، بل كان متعلقًا بصمت طويل، بصورة بعيدة، وبحضور لم يمنحه شيئًا، ومع ذلك أخذ منه الكثير.

ربما لهذا كان الشعور مخيفًا، لأنه لم يقف على أرض الواقع، ولم يجد في الواقع ما يبرره. هي تعيش حياتها كما هي، وهو يعيش سؤاله كما لو أنه حياة أخرى. وفي النهاية، لم يكن أكثر من رجل مرّ بجانب امرأة، وقال لها صباح الخير بلغة لا يعرف إن كانت لغتها، ثم ظل ست سنوات يبحث عن جواب في صمت لم يبدأ أصلًا. لكنه، رغم كل ما بناه خياله من إشارات واحتمالات، كان على ثقة أنها لا تعرفه. لا تعرف شيئًا من أمره، ولا من ارتباكه، ولا من تلك السنوات التي عبرت عليه وهي حاضرة في غيابها. كانت بالنسبة له سؤالًا طويلًا، وكان بالنسبة لها وجهًا لا ملامح له في زحام الأيام. ومن هنا جاء وجعه الحقيقي؛ لا من أنها بعيدة، بل من أنها لا تعرف أصلًا أنها كانت قريبة إلى هذا الحد من داخله.

۞

ثم مضت الأيام، لكن المصادفات لم تتوقف، بل صارت أكثر حضورًا. بات يراها كثيرًا؛ في مدخل البناية، في الممر، عند المصعد، أو في موقف السيارات. وكلما لمحها من بعيد، كان يهمس لنفسه: اصمد… لا تفضحني… احفظ سري. كان يشعر أن أعصابه لم تعد تعرف قواعد الحياة التي عاش بها أربعين عامًا، ولا تعترف بكل ما تعلّمه عن الاتزان وضبط النفس.

كان الصراع يشتعل فيه كل مرة. ثقافته في جهة، ورجولته في جهة، ودينه، وعقله، ومسؤولياته، وكل ما آمن به طوال عمره، يقفون صفًا واحدًا أمام ذلك الشعور، بينما يقف هو في الجهة الأخرى، لا يملك حجة يقنع بها أحدًا، ولا يريد أن ينتصر، لكنه يرفض أن يستسلم. حتى صار يغيّر مواعيد خروجه وعودته، ويبدّل أوقاته، ويبحث عن طرق أخرى، لعلّه يقلّل من احتمال لقائها. كان يهرب منها، لا لأنه لا يريد أن يراها، بل لأن كل شيء فيه كان يريد رؤيتها أكثر مما يحتمل. ولم يكن يعرف أي العذابين أشد: أن يلقاها، أم ألا يلقاها.

ثم غابت سيارتها عن موقف البناية.

في اليوم الأول قال إنها مصادفة. وفي الثاني أقنع نفسه بأنها سافرت. وفي الثالث بدأ القلق يتسلل إليه، ثم تحول بعد أيام إلى خوف صامت ينهش صدره. وحين مضت عشرة أيام كاملة، لم يعد يخشى غياب السيارة، بل خشي أن تكون قد رحلت من حياته كلها دون أن يدري.

كان يسأل نفسه أسئلة يعرف أنها بلا جواب: هل انتقلت إلى مكان آخر؟ هل سأراها مرة أخرى؟ وهل أحتمل إن كانت تلك آخر مرة رأيتها دون أن أعلم أنها الأخيرة؟ كيف يمكن لإنسان أن يفتقد وجودًا لم يكن يملكه أصلًا؟

كانت أيامًا ثقيلة، كأن العالم فقد ترتيبًا خفيًا كان يمنحه القدرة على الاستمرار. لم يكن ينتظر لقاءها، بل كان يكتفي بمعرفة أنها موجودة في هذا العالم، على بعد بضعة أمتار، وأن الحياة ما زالت تسمح لهذا الاحتمال الصغير أن يبقى.

وفي صباح اليوم الحادي عشر، خرج إلى عمله كما يخرج كل يوم، بلا أمل حقيقي، ثم رفع بصره نحو المكان المعتاد.

كانت السيارة هناك.

لا يعرف ماذا حدث في تلك اللحظة، ولا يظن أن اللغة تعرف أيضًا. كأن غريقًا ظل طويلًا في قاع البحر، حتى نسي معنى الهواء، ثم انشق الماء فجأة، وعاد إليه النفس دفعة واحدة.

لم تكن سيارة في موقف. كانت عودة الطمأنينة إلى جزء منه ظن أنه فقده إلى الأبد.

وفي لحظة واحدة، اجتمع في داخله من الارتياح ما لم يجتمع له منذ سنوات. ارتياح لا يملك سببًا منطقيًا، ولا يجرؤ على شرحه لأحد، ولا يستطيع حتى أن يغفره لنفسه. وقف ينظر إليها بصمت، ثم ابتسم لأول مرة منذ أيام، وهو يدرك أن الإنسان قد ينجو أحيانًا من مجرد وجود شيء كان يخشى أن يختفي.

۞

وفي يوم آخر، عاد من عمله كما يعود كل مساء. وقبل أن يترجل من سيارته، لمح أن مكان سيارتها خالٍ. لم يفكر كثيرًا؛ أقنع نفسه بأنها خرجت لقضاء شأن ما، ثم ركن سيارته وتوجه نحو مدخل البناية.

وقف أمام المصعد وضغط الزر، منشغلًا بأفكار لا تنتهي. وحين انفتح الباب، كانت هي في الداخل.

تجمد في مكانه للحظة، حتى خُيّل إليه أن قدميه نسيتا كيف تتحركان. احتاج إلى جهد ليدخل، وكأن المسافة بينه وبين باب المصعد أصبحت أطول مما يحتمل. لم يكن خوفًا خالصًا، ولا رهبة خالصة، بل ارتباكًا عصبيًا لم يعرف له اسمًا.

وقف إلى جوارها، لا يعرف أين يوجه بصره، ولا كيف يهدئ أعصابه. لم يتبادلا حديثًا، ولم يحدث شيء يراه الناس جديرًا بالذكر، لكن داخله كان يمتلئ بأسئلة لا تنتهي.

عندها أدرك أن ما يطارده طوال تلك السنوات ليس الحب بالمعنى الذي يعرفه الناس، أو على الأقل لم يعد يجرؤ على تسميته كذلك. كان شغفًا آخر؛ شغفًا بفهم هذا الشعور نفسه، واكتشاف حقيقته، ومعرفة كيف استطاع إنسان لا يعرفه إلا من بعيد أن يترك فيه كل هذا الأثر.

لماذا كل هذا الاضطراب؟ لماذا هذا التأثير الذي يعطل أعصابه كلما اقتربت؟ ولماذا يرغب، بكل هذا الإلحاح، أن يتحدث إليها ولو لدقائق قليلة؟ لا ليغيّر شيئًا، ولا ليطلب شيئًا، بل فقط ليفهم… ماذا حدث له؟

لم يكن رجلًا هشًا حتى ينهار أمام شعور عابر. بنى حياته بنفسه، وشق طريقه من الصفر حتى صار مسؤولًا عن مئات الأشخاص، يدير أكثر من ستمائة موظف، ويتخذ كل يوم قرارات لا تحتمل التردد. سافر إلى بلدان كثيرة، وعاشر ثقافات وأجناسًا مختلفة، ورأى من طبائع النساء وأخلاقهن وأشكالهن ما يكفي لأن يظن أنه أصبح يعرف الحياة كما هي. كان متزوجًا، ويحب زوجته، ولم يشعر يومًا أن شيئًا ينقصه في حياته. لذلك لم يستطع أن يفهم كيف وقف، بكل ما يحمله من خبرة واتزان، عاجزًا أمام شعور لا يعترف بالمنطق، ولا يقبل تفسيرًا، ولا يستجيب لكل ما تعلمه الإنسان عن العقل وضبط النفس. كأن الحياة، بعد أربعين عامًا من الدروس، قررت أن تلقنه درسًا واحدًا لا يملك له جوابًا.

ولعل هذا هو السبب الذي دفعه إلى الكتابة. لم يكن يكتب طمعًا في جواب، ولا انتظارًا لرد، بل لأنه كان يخشى يومًا يخذله فيه تماسكه. كان يشعر، في مكان عميق لا يستطيع الوصول إليه، أنه قد ينهار ذات يوم إذا وجدها أمامه في لحظة لم يستعد لها. وعندها لن يكون بين يديه إلا هذا الذي كتبه؛ يضعه بين يديها، ثم يختفي. لا طالبًا شيئًا، ولا منتظرًا شيئًا، بل راجيًا منها أن تستر ضعفه، وأن تعذر قلة حيلته، وأن تدرك أن هذه الكلمات لم تكن محاولة لاقتحام حياتها، بل آخر طوق نجاة تمسك به قبل أن يغرق في سؤال لم يجد له جوابًا.

۞

لذلك لم يكن الشفاء في أن ينساها، ولا في أن يبرر لنفسه ما حدث، ولا حتى في أن يعترف وحده بحقيقة شعوره. كان الدواء، كما خُيّل إليه، أن تعرف هي. أن يصلها شيء من هذا الصمت الطويل، لا لترد، ولا لتقترب، ولا لتمنحه مكانًا لا يحق له أن يطلبه، بل لعل شيئًا في داخله يرتاح حين لا يبقى وحده حاملًا السر كله. أو لعل الشعور، حين تراه عيناها ولو من بعيد، يتبدل إلى شيء آخر؛ إلى صداقة، إلى رحمة، إلى ودّ هادئ، أو حتى إلى نهاية يستطيع أخيرًا أن يقبلها.